من أحاديث الليلة الأخيرة

مقتطفات من رواية ليلة لشبونة، لإريش ماريا ريمارك.

  • لم يعد الإنسان في مثل هذه الأوقات (زمن الحرب) يساوي شيئاً. الشيء الوحيد المعترف به هو جواز سفر ساري المفعول. في أيامنا هذه أضف مع ختم تلقّي اللقاح.
  • الإيمان بحدوث الأعاجيب هو إحساس ملازم لهؤلاء الذين يعيشون حالة الفرار واليأس والخوف، ولولا هذا الإيمان لفقد الإنسان قدرته على الاستمرار.
  • كنت عندما أقف أمام تلك اللوحات الزيتية الغارقة في أشعة الشمس وتلك الطبيعة الصامتة أعارض وجود ذلك الجنس البشري الذي استطاع أن يصل بالفن إلى القمم، وها هو في الوقت ذاته يهيئ العالم لحرب قاتلة. كانت هذه اللوحات تعني لي الأمل، وبالتالي التخفيف من ارتفاع الضغط ولو لساعة واحدة.
  • إن العالم يبدو على أجمل وجه في تلك الدقائق التي تسبق مغادرته للدخول إلى عالم السجون. لا يستطيع المرء تحسس ذلك باستمرار، وربما هذا ناتج عن عدم امتلاك الإنسان، في العادة، الوقت الكافي للتفكير به، أو لأنه في الغالب لا يمتلك الراحة الداخلية.
  • ألا ترى أن الإنسان يخسر باستمرار ذلك الشيء الذي تمنى أن يحتفظ به لأنه في حالة تحرك، ولا يقف ها الشيء إلا عندما يصبح بعيد المنال ولا يمكن البتة أن يتغير وضعه؟
  • يشعر الإنسان المطارَد والراضخ تحت جبروت الخوف في الغالب بأن الأضواء جميعها مسلطة عليه، وكأن العالم ليس له قضية سوى مطاردته. يشعر هذا الإنسان بأن كل خلية من جسمه تحاول أن تستقل لتعمل بمفردها. الأرجل: تحاول أن تبني مملكة الأرجل وتصبح الأيدي لا شيء سوى أداة دفاع وهجوم، أما الفم والشفتان فلا تصبح سوى أعضاء مرتجفة تحاول كبح صرخة عالية.
  • عن طريق الشتائم والخوف؛ يحاول الإنسان التخفيف من حدة الأشياء!
  • عندما كنتُ انساناً له الحق في الوقوف على أرض ثابتة كنتُ أشك بما يكتبه الروائيون في وصف الخوف. كيف يتوقف قلب الضحية عن الخفقان، تقف بلا حراك، وكيف يتحول الدم فيها إلى سائل جليدي يسري في الظهر والعروق، وكيف يتصبب جسمها عرقاً! كنتُ أنظر إلى هذا الوصف كونه صوراً وقوالب مصبوبة وخطط مرسومة، وأنه علاوة على ذلك أساليب سيئة، لكنها حقيقية..
  • روى لي أحدهم أنه جرت العادة في إندونيسيا بأن يغير الإنسان اسمه بين الحين والآخر، فعندما يتعب الإنسان من شخصية يغيرها.. يختار اسماً جديداً ويبدأ مع اسمه كياناً جديداً.. فكرة رائعة!
    • ألا يأخذ المرء معه شيئاً في حياته الجديدة؟
      • الصدى.
      • والذكريات؟
      • إنها الصدى. أي الذكريات التي لم تعد تؤلم ولا تخجل.
      • وكأن صاحبها يشاهد فيلماً.
  • ما هذا العزاء الكامن في جسد من أحب؟ إنه أذكى وأصدق تعبيراً من الفم المليء بالاكاذيب.
  • غريب حقاً أمرنا! نختار طرقاً ملتوية كي لا نظهر حقيقة مشاعرنا.
  • سابقا؛ في الأعوام الهادئة من حياتي كنت أسأل نفسي: ماذا سأعمل لو علمتُ مسبقاً أنه لم يبق لي من الحياة سوى شهر واحد! لم أتوصل يوماً إلى نتيجة واضحة، وبدت جميع الأمور التي ظننتُ أنني أحب القيام بها قد تجمعت واتخذت حالة قطبية حادة حولتها إلى أمور لا أرغب في عملها.
  • يختلف الخوف من المجهول عنه من أمر نعرفه. يبدو الخوف من المجهول خطراً، لكنه يبقى غير محدد، ويستطيع الخائف أن يحدده عن طريق العقل وخداع الذات، لكن عندما يكون المرء عارفاً بما ينتظره تصبح فائدة التحكم والإقناع النفسي قليلة أو معدومة.
  • أنتَ تعلم أن الزمن ليس سوى إحدى نقاعيات الحياة التي تتسلل إلى داخلنا كالسم الذي لا خطر منه؛ يحيينا في البداية حتى إنه يبدأ في إقناعنا بأننا خالدون، لكن مع كل نقطة منه، حيث تلي النقطة النقطة الأخرى ويلي اليوم اليوم الآخر، يتبدل إلى حمض يحيل دماءنا إلى سائل حزين ثم يتلفه.
  • المعجزة حين يعيشها المرء تكون ناقصة، والذكريات وحدها فقط تعطيها الكمال، وعندما تموت السعادة لا يستطيع المرء تغيير الأشياء، ولا يستطيع أن يخضعها لخيبة الأمل، فالذكريات تبقى متكاملة.
  • كيف نستطيع حقاً معرفة إن كنا سعداء وماهو مقدار سعادتنا ما دمنا لا نعرف ما الذي سوف يبقى وأي شكل سيتخذ بقاؤه؟
  • من نحن؟ من أنت؟ ومن أنا؟ من الآخرون؟ ومن هؤلاء الذين لم يعودوا موجودين؟ ما الحقيقة؟ هل هي صورة المرآة أم صورة الشخص الواقف أمامها؟ هل هي الإنسان الحي أم الذكريات: الصورة بلا ألم؟
  • الحياة ستصبح غير محتملة لو اتسمت بالأبدية. لأن التعاسة في الحياة أكثر بكثير من السعادة؛ لذا فعدم أبديتها رحمة كبيرة.
  • الذكريات غالباً ما تحمل بين طياتها الندم: الندم على عدم التمسك بالأشياء الجيدة وإباحتها، والندم على عدم القدرة على تصحيح الأخطاء.
  • ذكرياتنا ليست تحفة عاجية معروضة في متحف محكم ضد الغبار، بل هي حيوان يعيش ويلتهم ويهضم. إنها كالتنين في الأساطير؛ تلتهم نفسها لأنها الطريق الوحيد الذي تستطيع من خلاله الاستمرار، ولا نقع تحت خطرها في تدميرنا لها. الذكريات تتحجر فقط عندما يموت الإنسان؛ لذا سأموت.
  • نكون في أثناء وجودنا في المعتقل بشراً لا قيمة لوجودنا، وفجأة نصبح ذوي أهمية كبيرة عندما نفر وننجو.. تكون كسرة خبز يابسة كثيرة علينا في أثناء وجودنا في المعتقل، لكن عندما نفر منه تجند فرقة كاملة من الشرطة للبحث عنا، وعندها لا يسأل أحد عن تكاليف هذه العملية.
  • ربما صدق من قال إن في داخل كل انسان عدة أشخاص. في بعض الأحيان يستقل أحدهم ويحكم النفس، وعندها يصبح الإنسان شخصاً آخر لا يمكن التعرف عليه.

رأي واحد حول “من أحاديث الليلة الأخيرة

اضافة لك

  1. عند قوله أننا نختار طرقاً ملتوية كي لا نظهر حقيقة مشاعرنا تذكرت أن من أكثر الاحتياجات الإنسانية دناءة هو الحاجة إلى البوح، وإلى الاعتراف، لأنها تعبِّر عن حاجة الروح إلى أن تكون خارجية، اعترِف، نعم؛ لكن اعترف بما ليس حقيقياً، اكذب على نفسك قبل أن تبوح بتلك الحقيقة، فأن تعبّر دائماً معناه أن تعرِّض نفسك للخطأ، للانتهاك، للتلاشي.

    إعجاب

اترك رداً على دانغ ساي إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑