في سبتمبر الماضي، وتحديداً في اليوم الثاني والعشرين منه، والذي يُحتفل فيه باليوم الوطني السعودي، كتبتُ شيئاً عن مُنيف. في حساب المكتبة على تيك توك. اخترتُ أحد مقولاته العميقة عن (الوطن)، بدقّة، ولغاية في نفسي.. وبعفوية كتبتُ عنه، عن عبدالرحمن منيف.. طفلاً يتيماً، وكاتباً منفياً.
المنشور: صورة منيف الرمادية، يتوسطها اقتباس له، بخلفية خضراء باهتة، وأسفله كتبتُ:
عبدالرحمن منيف
قامة فكرية وأدبية شاهقة، وُلد سعودياً ثم سُحبت جنسيته، وعاش منفياً مشتتاً بين البلدان.
اخترتُ كل كلمة بعناية، ولم أدقق كثيراً فيما كتبته أسفل المنشور. كتبت من قلبي واعتماداً على ذاكرتي (توضيح تحت). وفوجئتُ به يحقق صدى أوسع من كل ما نشرتُه عبر الصفحة. لم يقتصر صداه على المشاهدات، وإنما وجدتُ ردوداً وتعليقات وصراعات، وبعض (الطفح) من البعض، الذين جاءت بهم الخوارزميات فقط لتستفزهم كلمة مُنيف والمكتوب عنه، فيرمون بالكلمات المسيئة عنه. على عكس ما يعتقدون أو يريدون كلماتهم وكأنها لم تكُن؛ تُحذف فوراً.
هؤلاء ربما كانوا أحد أسباب تراجعي عن منشور مختلف، ولكنه عنه ذات الموضوع (منيف والوطن)، كنتُ قد كتبتهُ قبلها بيومين، ونشرته لبعض دقائق فقط ثم أخفيته، لسبب هو نفسه ما جعل كتابتي عن منيف موجزة جداً.
طيلة سبتمبر ومن قبله أغسطس كان مُنيف حاضراً فيّ ومعي طيلة الوقت. لماذا ونحن لم نلتقي منذ زمن؟
التقيتُ منيف للمرة الأولى في عام 2012، وبسبب المشروع الذي صار فيما بعد مكتبة كاف. أحد الشباب المثقفين، ولعله الداعم الأول للمشروع، أهدانا من تلقاء نفسه مدن الملح. كانت استعارة.. لم أطلبها ولم أكن أفكر فيها أصلاً، هو من طلب مني قراءتها. وكنت مصدومة، أقول لأخواتي وصديقاتي: كيف يثق بأننا سوف نحافظ على الكتاب ونرجعه له؟ هذا وهي خمس روايات وغالية ولا تتوفر في المكتبات هنا!
قرأتُ منيف. وأعلنتُ بيني وبين نفسي حينها (من الجزء الأول): لا أعتقد أن هناك أديب من بلدي يضاهي منيف! ولا حتى من العرب. وأنهيتها بسرعة، لكن روحي وكل انبهاري كان هناك مع متعب الهذال، أكثر من بقية الأجزاء. لاحقاً؛ حرصتُ على اقتناء بعض رواياته الأخرى، خصوصاً الأشجار واغتيال مرزوق وسباق المسافات الطويلة (هذهِ بسبب اسمها عاجبني). لكني أجلتُ قراءتها طويلاً طويلاً.. ولم أتساءل لماذا. مؤخراً عرفتُ الجواب.
في أغسطس الماضي، كنتُ قد خرجتُ، أو بالأحرى نجوتُ، وبمعجزة من محنة هائلة. كان لدي عمل آخر بسيط إلى جانب بيع الكتب، وهو كتابة المحتوى. لكنها كانت فترة ركود، لذلك فوجئت بطلب مشروع، ومن النوع الذي يستهويني ويملأ محفظتي في الوقت نفسه، ألا وهو إعداد مجلة ثقافية. ومُنحتُ حرية اختيار الموضوع. وجبَ أن أختار موضوعاً سهلاً يمكنني من تعبئة خمس وعشرون صفحة بأسرع وقت وأقل جهد ممكن، وربما فضّلت العميلة والمشرف على العمل أن أختار موضوعاً يتواءم مع موضوعات الرؤية وما شابه ذلك. وقد فعلتُ ذلك بدايةً، ثم غيرتُ رأيي، واتبعتُ في اختياري الجديد شخصيتي القارئة، وأصبح موضوع المجلة من صميم الأدب (المكان في الأدب السعودي المعاصر). لماذا اخترتُ المكان وكيف؟ لم أدرك أني أجهل السبب والكيفية إلّا الآن!

لم أختر العناوين الرئيسية الأولى بدقة، ولم تكن تهمني تقريباً، باستثناء منيف ونوعاً ما رجاء عالِم. مع التعمق في القراءة أظن صار يهمني استكشاف مدن يوسف المحيميد. وبسرعة حذفتُ الغلاف الأول، وأعدت هيكلة المجلة لتصبح الأولوية فيها لـ مُنيف. منحتُه ملف العدد، مكوناً من ست صفحات، من ضمنها صفحة لاقتباس مهم عن مدن الملح، وصفحة لحوار متخيّل معه، ولهُ أيضاً خصصتُ صفحة الغلاف الأخير، صورة جانبية لوجهه مع اقتباس أحببتُه عن البداوة والرحيل.


أخجلني المستوى المتواضع للعمل، على الرغم من أنه كان مسموحاً فيه أصلاً مستوى أقل من الابتكار والإتقان. واقتربتُ فيه من منيف أكثر، وبقي يشغلني، فقررتُ البدء بالتفرغ لأعماله. وأتى سبتمبر ومنيف ما يزال معي. اليوم الوطني ربما والعمل على المجلة والتجربة الشخصية لي ولمنيف نفسه، كلها مع بعض غيّرت نوعاً ما نظرتي ومشاعري تجاه عبدالرحمن منيف. وتكوّن لديّ إدراك أن هذا الكاتب أسهم في تغيير حياتي عندما التقيته أول مرة في مدن الملح، وأعطتني القراءة السريعة عن حياته وتجاربه مؤاساة كبيرة وفهم أفضل لواقعي، أما القراءات القادمة فأنا محظوظة مسبقاً بما سوف تمنحني إياه.
الاحساس بقوة الرابط بيني وبين عبدالرحمن منيف هو سبب سعادتي بما حققه المنشور من انتشار وتفاعل، وهو سبب غضبي ممن كتبوا عنه. الإساءة لقامة بحجم منيف، والإصرار على نفيه حتى بعد رحيله، والزعم بأنه كان المخطئ حين رفض (العطايا والوعود) لذلك رفضه وطنه. إحداهن-والمشهورة منذ سنوات- بكونها عاهة عبر تويتر، كتبت حرفياً (أقرباء منيف الذين قبلوا كرم فُلان يتنعمون الآن بالمناصب والأموال)، وأضافت متحدثة بلسان القبيلة التي ينحدر منها عبدالرحمن منيف وبلسان المنطقة والوطن بكبره أن منيف لا يمثلنا!
لا تعليق.










