في كل المرات- لا تُحصى- التي راودتني فيها فكرة الانتحار/الموت عموماً، والموت المبكر تحديداً.. في كل تلك المرات ومنذ الصغر؛ كان الأدب يسرقني من الموت. دائماً؛ التفكير في الأدب ينجيني من قتامة أفكاري. الكتب العظيمة التي لم أقرأها بعد، لكني متأكدة بأنها عظيمة، حتى ومعظمها كتب مغمورة أو لا تهم أحداً سواي. وإلى جانبها كذلك الأفلام التي ادّخرتها لهذا الوقت. أو حرمتني مشاهدتها عقبات داخلية وخارجية.
يتلاشى الانتحار من الصورة لتحل محلّه أغلفة كتبي المحبوبة، والمشتتة الآن بين بلدين.. وبلا مكتبة أو أرفف. كيف أموت ولم أقرأ بعد تلك الكتب التي جنّنتني بمجرد أن تصفحتها قبل شراءها مباشرة؟ كيف أموت ولم أصحح بعد خطيئتي المتمثلة في الانقطاع عن السفر مع الروايات الهائلة؟ عندما أرفق بنفسي يكون التبرير: هذه والانقطاع الطويل عن القراءة عموماً كنتِ مجبرة عليها نتيجة الاكتئاب الحاد والتبعات النفسية الأخرى لما مررتِ به. وأشعر أنني أبالغ في الترفق بها وأنا أقول: ستعودين لذاتك القارئة بأفضل حال، وستقرئين كل ما تمنيته وأكثر، وبنفس الشغف.
أخجل من الرحيل عن هذا العالم وخلفي كتب لم أقرأها. لا سيما وأنها كتب اشتريتها بمشقة على عكس المرفهين، وارتبطتُ إلى الحد الذي يجعلني أخشى الموت حتى لا تتأذى هي من بعدي. أخجل من خذلاني لذاتي الحقيقية المتفجرة فضولاً.. كيف تفوّتين عليها كل تلك العوالم العميقة والمدهشة؟ وأتألم- حقاً- لأن هذه المعاناة تتصل بما أعتبره أسوأ شيء قد يصيب الإنسان: الهدر.
أن أهدر الوقت والمال والمكان في تجميع كتب ثم لا أقرأها. أن أهدر شغفي ولهفتي في تصفح الأغلفة وبضعة صفحات ثم أبخل على الكتاب بجلسة قراءة. أن أهدر عمري في مهام غبية من أجل المال، بما في ذلك مهام بيع الكتب. مهنتي التي أحبها وأستمد منها السعادة والطاقة للاستمرار في المقاومة ولكن عند التفكير في الأدب نفسه: قراءة الكتب والكتابة فأنا أزهد الناس ببيع الكتب. أفكر بسبب هذا الزهد والزهق في العودة إلى الطرق البدائية في البيع، والتي ما تزال مستمرة بكثرة، كما في مصر: أبيع كتبي عبر صفحة فيسبوك وخلاص. أفكر في مهنة أخرى، المهن التي أحسد بسببها الآخرين: أن تكون موظف ولو وظيفة متدنية، تعمل لساعات محددة في مكان محدد وبمهام محددة، دون أن تشغل بالك بأي شيء مما يمس حياة العمل ومصيره. لكن مجدداً؛ تناقضاتي لا تتقبل ذلك، ومرضي بالكتب يمنعني من التخلي عن هذا العمل.
أعود للتفكير في الموت؛ التخلي واتخاذ قرار الانتحار. أظن، من خلال تجربتي معه، أن الشعور بثقل الأعباء سبب رئيسي للتفكيرفيه. ربما لن أقدم على الانتحار بسبب واقعة ما في حياتي أو صدمة نفسية أو أزمة ما مهما اشتدت.. بقدر ما سوف أتخذ هذا القرار عندما أعجز عن مقاومة الشعور بالثقل والاختناق من كثرة الأعباء والمشكلات. والكتب عبء، للأسف. كتبي الشخصية لوحدها عبء أخاف عليه إن انتقلتُ، فكم مرة يمكن أن تتحمل معي أعباء النقل من بيت للإيجار إلى بيت آخر. وأخاف عليها إن متَُ. وعلى كتب المكتبة أخشى التلف أو الكساد أو الاضطرار للبيع بثمن بخس.. أو مجدداً ألّا أتمكن من الحصول لها على مكان يسعها جميعها. هذه المخاوف والاستثقال وبالتالي كراهية العمل والحياة الرتيبة والعمر المهدور في العمل لأجل المال وبناء ما لن يدوم، هي ما يجعلني أكثر تقبلاً لقرار الإقدام على الانتحار. ويعصمني الأدب عنه.
إلى أي مدى هو عاصمٌ قويٌ هذا الأدب؟
سبتمبر 2026: أقول أنه جبار. حتى الآن.

الجسر في رأسي: كان مكان حقيقي أعرفه
في يوليو، آخر مرة داهمتني الرغبة في الانتحار، وكانت أقوى من كل المرات السابقة ربما، بسبب الظروف الواقعية حينها. كانت أمام عيوني حتى صورة الجسر الذي أردتُ القفز منه. رأيتُ بعيني خيالي خطواتي وأنا أمشي إليه. كان الحافز شيء ما في مخيلتي، ولم يتحقق، فتلاشت الفكرة بسببه. وفي الصباح التالي، الحياة كلها تدفقت فيّ روحي وجسدي وحتى عملي. صرتُ أتابع العمل مع بعض الأشخاص المعتادين (في الكتب) وأتساءل: هل يا ترى ممكن لأحد منهم أن يتخيل ما الذي مررتُ به وأنا أقف أمامهم اليوم دون أي أثر ظاهر لعاصفة الأمس؟ كيف تنجح الكتب- كل مرة- في إلهائي بهذه البراعة؟
أغيب في الكتب عن العالم وعن نفسي وعن الألم، واقعياً كان أو نفسياً. أنظر إلى الجدار في المعتقل وسط دموعي وصورة الجسر برأسي؛ ولا يمكنني منع ذاتي الشغوفة بالأدب من التفكير في جاك لندن ورفاقه (أصدقائي الكتاب والشخصيات الخيالية): كالعادة في كل ورطة أو مصيبة تذكري إنك كذا تتبعين أصحابك على درب الآلام. فأتقبّل كل شيء. بل وقد أتباهى به كـ مغامرة. ويحسبني الآخرون مختلة؟ لأن التعامل مع كل تجربة قاسية كمغامرة يرعبهم. هم الذين غالباً ما يعيشون ويموتون ولم تخطر ببالهم فكرة الانتحار ولو مرة واحدة. ذلك لأنها الفكرة الأكثر رعباً بالنسبة لهم، الموت عدوهم، والانتحار ألعن منه لأنه يعني الغضب الإلهي الأبدي. هل يعصمني هذا الغضب؟
لا. ولا مرة فكرت فيه حتى. ولا أي منتحر طبعاً يأبه له، فقط الباقون على قيد الحياة.. المرعوبين بشدة لأن انساناً آخر اختار طريق الموت، هم من ترعبهم لفظة الانتحار. وبينما يمضي الآخر في رحلته الجديدة الهادئة أخيراً؛ يتصارع الباقون هنا على التفسير والتحليل والتكفير.
الأدب عاصم من الموت. ومن التفاهة والأذى. جلسة وسط الكتب حتى بدون قراءة تُعيد للنفس بعض هدوءها، تُرجعها إلى ما كانت عليه قبل أن زمن التلوث. نعيش في الماضي ربما، ومع أفكار وكلمات من لم يعودوا بيننا منذ زمن بعيد، لكن النفس تكون حاضرة. أستطيع حينها التفكير في نفسي والشعور بأن في هذا العالم – رغم كل شيء- ما يستحق البقاء قليلاً.









