كنتُ محكوماً بازدواج عميق في الحياة. ومع هوة أعمق غوراً مما قد تصادفه عند معظم البشر؛ أجهزتُ في سريرتي على أقاليم الخير والشر التي تقسم وتؤلف طبيعة الإنسان المزدوجة. كنتُ مدفوعاً كي أتأمل بعمق ودأب القانون الجائر للحياة، ذاك الكامن في جذر الدين، وهو واحد من أغزر ينابيع التعاسة.
لقد دنوتُ بوتيرة لا تكلّ من تلك الحقيقة التي أنزل بي اكتشافها الجزئي لعنةً أودت بي إلى خراب مريع: حقيقة أن الإنسان ليس بشخص واحد حقاً، وإنما و في الحقيقة شخصان اثنان. أقول اثنان لأن حال معرفتي لم تتخطّ حدود تلك النقطة. سيتعقبني آخرون، وسيتجاوزني آخرون في المضمار ذاته، وسأجازف أنا بهذا الافتراض: إن الإنسان سيُعرّف لاحقاً، تعريفاً مطلقاً في النهاية، بأنه محض هيكل يقطنه سكان متنوعون ومتنافرون ومستقلون. أما أنا، في الجهة التي تخصني، وبحكم طبيعة حياتي، فقد حُتم أن أتقدم في اتجاه واحد، اتجاه واحد فحسب. فمن الجانب الأخلاقي، وفي شخصي أنا، تعلمتُ التعرف إلى الازدواج العميق والبدائي في الإنسان؛ رأيت ذلك في الطبيعتين اللتين تتآلفان في ساحة وعيي، وحتى لو قيل عني بأني أحدهما فما كان ليتسنى لأحد هذا القول لو لم أكن أنا، في الصميم، الشخصين كليهما؛ ومنذ وقت مبكر، حتى قبل أن يخلص مسار اكتشافاتي العلمية إلى هذه النقطة كنت أشعر باحتمال وقوع هذه المعجزة احتمالاً أكيداً، فقد كنت تعلمتُ كيف أتملى مغتبطاً فكرة انفصال هذه العناصر، ودرجتُ على الاستغراق في هذا التأمل كأني هائم في أحلام يقظة أعشقها، وأسررتُ لنفسي: لو أتيح لكل عنصر السكنى في هوي مستقلة منفصلة لاستراحت الحياة من أعبائها، سيسلكُ الظالم سبيله الخاص به مستريحاً من أمنيات وندم توأمه الآخر الأكثر استقامة منه، وللعادل أن يسير ثابت الخطو آمناً في دربه السامي، يُقدم على الأشياء الخيّرة التي يجد فيها سعادته، ولن يعترضه عندئذ خزي وتوبة استجرّتهما يدا هذا الشرير الغريب.
كانت لعنة بني آدم أن تتواشج، على هذا النحو سوياً، هذه المتناثرات المتنافرة، أن يتصارع هذان التوأمان المتضادان على الدوام في رحم الوعي الذي يتلوى ألماً. فكيف افترقا إذن؟
ر.ل.ستيفنسون.
أضف تعليق