عن ج.د. سالينجر بقلم جان كورتيس

مقتطفات من مقالة طويلة قُدمت بها الطبعة الفرنسية لمجموعة “تسع قصص”، منقولة بتصرف:

أشار عليّ أحد الأصدقاء بـ “الحارس في حقل الشوفان”، قائلاً: “أنا واثق من أنه سيعجبك كثيراً”.

وقد كان محقاً، فقد أنهيته في جلسة واحدة. هزّني بعمق.. أدهشني وأضحكني كثيراً، فرحت أبحث في اليوم التالي عن هذا الكاتب المدهش سالنجر: من عساه يكون؟ أين تراه يعيش؟ وماهي مؤلفاته الأخرى؟

ولم أجد ما يشفي غليلي، فلم يكن هناك أحد يعرف الكثير عنه، وكل ما عرفته هو لمحة مقتضبة جداً عن حياته، وعن كتابه هذا الذي حاز شهرة واسعة منذ صدوره، وترك فيّ انطباعاً بأنه شيء خارق.. دائم.. يستعصي على الفناء، ويقص فيه المؤلف مجموعة من الحوادث المتنوعة في حياة صبي من الطبقة البرجوازية في نيويورك، طُرد من المدرسة. تصور الحوادث رحلة بحث عن الحقيقة، أو عن الفرح، أو عن مبررات للحياة، من قبل شاب ما يزال نصف غاطس في الطفولة.. شاب يخيفه العالم.. إنها، إذا شئتم، قصة التعلم. وهي لا تشبه أياً من الروايات التي قرأناها في مثل هذا الموضوع.

وفي العام التالي عثرتُ مصادفةً في بهو فندق على كتاب صغير، يضم تسع أقاصيص كان سالنجر قد نشرها في المجلات. ألقيت نفسي على هذا المؤلّف بنهم، والتهمته في بضع ساعات، ليعاودني نفس الانطباع بالسرور الذي أحسسته لدى قراءتي الأولى لسالنجر، ولكنه لم يعد نفس الإحساس بالاكتشاف ما دمتُ قد عرفت من هو سالنجر، وماهو قادر عليه.

كان قادراً على أن يقود قارئه دون أية مقاومة، في أي اتجاه أراد.

هناك ضحك أو ابتسام، إن شئتم، في قصصه، وهناك أيضاً شفقة، وتمزق، وشيء غير قليل من البشاعة، إن كنتم تطيقون البشاعة. إنها تثير الاهتمام، ليس بما ترويه فقط، بل بما تصمت عنه على الأخص..

إن أهميتها تبدو بين ما يُقرأ، وما يستشفه القارئ وراء الكلمات، تحت السطور المطبوعة.

إن سالنجر شيطان بارع بتلك الأشياء الضمنية، الموحية، التي تكمن وراء السطور، وأشخاصه يتكلمون كثيراً، ولكنهم لا يتكلمون مطلقاً كما يدور الحديث على المسرح، ولا كما في روايات التحليل على الطريقة الفرنسية، حيث يبدو الناس جميعاً وكأنهم يملكون موهبة عجيبة للكلمة الدقيقة.. للتعبير الصحيح.. للصيغة المناسبة!

إن أشخاص كاتبنا على النقيض من ذلك. إنهم دائماً يخطئون الهدف، فلا يستطيعون التعبير بدقة عما يشعرون به. إنهم أبداً بعيدون عما يعتقدون أنهم يقولونه، أو يودون نقله إلى سواهم. إنهم يبحثون عن كلماتهم.. يتلعثمون.. يرددون الكلمات ذاتها، ومن هذا الانزلاق المستمر في الزمان والمكان، من هذا التأرجح الأبدي بين اليقين والشك، ينشأ الالتباس والغموض، وتنشأ عنه أيضاً كل الأوضاع الغريبة المؤثرة.

إن طريقة التصرف باللغة المحكية، بلغة الحديث الشعبية هو الانتصار المطلق الذي يسجله سالنجر.

إن الحس الذي يشغل المرتبة الأولى عنده هو “السمع”. فهو يلتقط بصورة مدهشة التدفق، الإيقاع، لهجة الحديث الدائر، ويلتقط أيضاً خصائصه الفردية.. عطفات الجمل..الرعشات.. التكرار.. العثرات.

إن هذه المحاكاة الشفهية البارعة انتقاء ذكي، خلق جديد، وإخراج متناغم للمادة التي تقدمها اللغة الدارجة، وحين نتحسس الحياة في كتاب ما، فإن ذلك لا يتم مطلقاً بالمحاكاة المباشرة، ولا بالتسجيل الصوتي أو التصوير الضوئي، وإنما بالحدس والفن.

إن سالنجر لا يشغل نفسه البتة بوصف الأشياء أو بصنع غطار يضم الموضوع، بل الناس عنده يبرزون فجأة.. يتكلمون، والكلام هو الذي يكسبهم حضوراً مادياً.. وجهاً.. صلات اجتماعية، وأخيراً نوعاً من الكثافة التي يغذيها الذكاء والانفعال. وكل ذلك متضمن تقريباً في الحوار، فما تحس أثراً لإشارات الإخراج إلا ما لا يمكن الاستغناء عنه. وحتى عندما تكون الأقصوصة مكتوبة في الزمن الماضي فهي تجري في الزمن الحاضر.

إنه أسلوب يسرد الحالي، يكون فيه الراوي المجهول معاصراً تماماً لما يروي، يتلاقى ثانية فثانية مع الحركة.

إن أذن سالنجر أشبه بعين بعض الطيور الحادة. إنها أداة للدقة، شديدة الحساسية، من ورائها دماغ فذ.. رجل متميز.. مجموعة انفعالات.. مجموعة وساوس.. أسلوب خاص للتصرف في مواجهة العالم، سواء كان ذلك لحب العالم أو للتألم منه. ولا يمكن لهذه الأشياء جميعها إلا أن تترك أثرها فيما يكتبه الكتّاب مهما كانوا موضوعيين أو مهما أرادوا أن يكونوا كذلك.

في آثار سالنجر موضوع ماثل يلاحقه أبداً، هو: الطفولة.. المراهقة. وليس ذلك لأن الأطفال والفتيان هم أشخاصه المفضلون، وما أقل الروائيين الذين يستطيعون مثله أن يجعلوهم يتكلمون بصدق، ولكن لأن الطفولة والمراهقة على الأخص، تمثلان عنده أكثر من مرحلة بيولوجية. إنهما تمثلان مرحلة النعمة، بالمعنى الديني تقريباً للكلمة. فكل شيء يجري بالنسبة لكل الكائنات، بين نهاية المراهقة، وبداية سن الرشد.. كل شيء يجري كما لو أن هناك شيئاً يُفقد إلى الأبد.

هذا الشيء الذي يفقد إلى الأبد هو: الحس الأخلاقي.

لأن الطفولة ليست مرحلة اللطف، والسهولة، والبسمات فحسب، ولكنها أكثر من ذلك. إنها مرحلة الصرامة، وعدم التساهل، والوقوف بحدة في وجه كل ما يجرح الكرامة ويسيء إلى السمعة. إن الطفولة ليست بالضرورة “جنة خضراء”. ليست موضوعاً باعثاً للزفرات الحلوة والتحسر والحنين.. إنها ميدان روحي طُرد منه المرء.. لغة نسيتها.. أو فقد مفتاحها، وهذه الخيبة تتجسد فينا شعوراً بالألم. إنها ينبوع حنين واخز لا ينضب. إن الشباب يتوصلون أحياناً للإبقاء دائماً على صلة دائمة مع الطفولة وهو المقياس الصادق لقيمة الإنسان.

إن أشخاص سالنجر اللطفاء هم هؤلاء القادرون على أن يرتاحوا للأطفال.. أن يقفوا على قدم المساواة معهم.. في علاقة حساسة مرهفة تبدو نوعاً من الحلف، وعندما ينقطع هذا الحلف مع الطفولة أو عندما يصبح مستحيلاً، فمعنى ذلك أن النعمة قد زالت.. وعندئذٍ يجد المرء نفسه في عالم من القيم الكاذبة يعج بالأشرار والأنذال. عالم تصادف فيه مع كل خطوة الغش والنذالة والخسة والقرف.

إن قصص سالنجر تزود الباحثين النفسانيين بمادة مثيرة، وهذا شأن كل كتاب يسترسل فيه كاتبه دون تحفظ أو حياء، وأي كاتب ممتاز لا يمكن رده إلى وساوسه فقط، فهو يستخدمها ولكنه لا يلبث أن يتجاوزها، وكما يخرج الأتقياء بنتيجة حسنة من الأمراض، كذلك يخرج الفنانون بنتيجة حسنة من وساوس النفس.

القلب الإنساني هو ما يهم سالنجر، ولكنه لا يقحم التحليل النفسي في قصصه لأنه يمقته. هو عاطفي بصورة جلية، يحس من كل قلبه أشخاصه الطيبين، ولكن ليس هناك مع ذلك من يفوقه سخرية، ولا من يعرف مثله كيف يكشف القناع بقسوة فاضحة عن التصنع والادعاء والكذب. إنه روائي ذكي، لا يخشى أن يكون رحيماً، وهو كأكبر الروائيين يجعل الطيبة حقيقة.. إنه قادر على أن يصنع من المشاعر الطيبة أدباً رائعاً، وكواحد من قمم الروائيين نراه قد نجح أيضاً بمعجزة كان يظن أنها مستحيلة في هذا العصر الذي ندر فيه الإيمان الرومانسي.

لقد خلق “هولدن كوفيلد” فإذا ملايين الشباب يتعرفون أنفسهم فيه، وتحتل هذه الشخصية مكانها المرموق إلى جوار الوجوه الخالدة في الأدب الأمريكي، رغم ما واجهه من التهميش والتحطيم من مجايليه.

إن آثار سالنجر قليلة من ناحية الكم، ولكنها فرضت نفسها في الأدب العالمي الخالد، وكشفت لنا كاتباً حساساً بصورة خارقة، وحاذقاً بصورة خارقة، وبودي أن أقول: روائي كامل.

إنه يمسّ في نفس الوقت القلب والمخيلة، ويلعب كالعازف البارع الذي لا يبارى بكل عواطفنا:

العطف، والضحك، ورعشة الخوف، والرحمة.

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑