عن سعد الله ونّوس

في ذكرى وفاته (15 مايو 1997م)، تذكرت سعد الله ونوس. الأديب العربي الذي لم أقرأ له شيئاً بعد، ولكني عرفتُه جيداً، على الأقل في مرحلة ما من حياته، أهم مرحلة.

قبل سنوات اقتنيت، بمشقة، كتاب ” اعبد الحياة” حباً في صاحبه الوالد والمعلم العزيز إبراهيم وطفي، وفوجئتُ بأنني لم أعد مدينة لمعلمي بسبب كافكا فحسب، ولكن أيضاً لأنه أخذني إلى عالم عميق وصادق هو عالم سعد الله ونوس في صباه وبداية شبابه، وذلك عبر نشره للرسائل المتبادلة بينهما آنذاك، كانت كلها تقريباً رسائل ونوّس.

فتحتُ الكتاب وأول ما فاجئني هو معرفة صلة القرابة وصداقة العمر بينهما. يلي ذلك الكلمات القوية الحساسة التي كان يرسل بها سعد إلى صديقه البعيد، ومناشدته لهذا الصديق أن يرد عليه وأن “يفضفض له” أكثر. كنت أشعر بأن سعد يكشف نفسه أكثر مما ينبغى، في مقابل تحفّظ إبراهيم. أعتقد بأن هذا الاحساس تجاهه سببه أنني لا يمكن أن أفعل ذلك حتى لو كان الذي أكتب إليه “صديقي ومحدّثي الوحيد في هذا العالم”.

أُخذتُ بالكتاب عن كل شيء. سوّدت العديد من صفحاته بالخطوط والتعليقات. واكتفيت بالجزء الأول، الذي يشكل معظم الكتاب، عن سعد عما تلاه عن أدونيس ثم زكريا. أخذتني فوضى الحياة الداخلية لمراهق/شاب عربي فقير مولع بالأدب وبالجنس، وفي حالة صدام دائم مع مجتمعه المتخلف عقلياً. شاب يحسد صديقه المقرب على حياته رغم أنها هي الأخرى حياة مهدّدة. حياته مع الكتب كانت حياتي في نفس تلك المرحلة من حياتي وحتى الآن. وكذلك الأمر مع الجنس، والقراءة عن الحياة الجنسية لكاتب عربي أهم من غيرها، لأنه من مِن الكتّاب العرب سيتحدث بمثل صراحة ووضوح سعد؟ ربما سعد لم يكن لم يفعل ذلك لو علمَ بأن رسائله ستُنشر. لكن كتب.. كشف وقد قرأتُه وحيّرني وأحزنني ومرة أثار قرفي، عندما اعتبر أن المرأة مجرد ثقب لعضوه التناسلي. الحرمان الجنسي أبشع ما قد يعانيه إنسان؛ فحتى الحيوان لا يُحرم ذلك!.. ويضاعف بشاعته في عالمنا العربي أننا حتى اليوم ممنوعين من التعبيرعنه والاعتراض عليه. وإن حدث وحصلت عليه فلن يكون ذلك غالباً مع الشخص الذي تشتهيه.. لن يكون أصلاً كما يشتهيه أو بالقدر الذي يشبعك. ومحاولة الوصول للشبع ربما تودي بك، كما حدث مع سعد، إلى الأمراض التناسية.

هل سيظلّ التعطّش إلى الأدب والكتابة دائماً أقوى من التعطش إلى الجنس؟ أعتقد أحياناً نعم. الأدب لن يجعلنا نعاني أبداً. الكتب سهل أن تروينا، وطموحك الأدبي قد تبلغُه وترضى أخيراً. ولكن جسد الآخر.. الآخر نفسه وشخصيته وتفاعله… وكل هذه العيون علينا.. والمعتقدات والمخاوف الناتجة عن ذلك.. إنها مأساتنا الأبدية.

كبرَ الصديقين؛ تناقصت الرسائل بشكل كبير. أصبح سعد كاتباً معروفاً بعكس إبراهيم المترجم الذي لم ينل ما يستحقه حتى اليوم ، بالرغم من أن إبراهيم وجهوده في إضافة “كافكا” إلى المكتبة العربية، أهم بكثير من معظم الكتّاب العرب.

كيف أصبح سعد عندما كبر؟ هل ارتاح؟ هل هو راضٍ عن تحسن أحواله المعيشية واستقراره مع زوجة وبنت؟ هل ندمَ يوماً على كل أيامه التي راحت في الصراع النفسي والشره الجنسي؟

أعتقد أنني وثقتُ بروح سعد، تأثرت، تعلمتُ منها لكونها تشبهني كقارئة فقط، فضلاً عن أنها كانت مكشوفة أمامي بالكامل، كنت أقرأ وذهني كله عبارة عن مشاهد حية لحياته. لكن لو لم يكن ذلك الشاب قارئاً مسكوناً بالأدب، يعيش بالكتابة فلا أعتقد بأنني كنت سأحب قراءة كلماته. أظنني كنت سأراه مجرد شاب شهواني ضعيف أمام شهواته وضغوط حياته. لقد منحتني الحياة المعذبة التي عاشها بعض الأمل أو بالأحرى التفكير دائماً في إمكانية التغيير. انظري كيف كانت حياة سعد وكيف انتهت. انتهت بالسرطان نعم. لكن بعدما أصبح الشاب ناجحاً في المجال الذي أحبّه، واختفت العديد من منغصات حياته السابقة. منغصات حياتك لن تدوم. ستذهب حتماً وقد تبتلين بما هو أسوأ أو العكس. لقد مات بشيء من الهدوء أعتقد. الهدوء وليس السعادة، فكما كشف إبراهيم في ختام الكتاب: كان سعد ضدّه وضد قراره بالعيش المتواضع في ألمانيا. كان سعد خاضعاً لأعراف وعادات ومصالح مقززة هي ما نفّرت إبراهيم. إبراهيم كان انساناً حراً، تجرأ على المغامرة التي أرهبت سعد لأنه ” لم يكن لديّ ما أخسره سوى.. بؤسي”. وكان يتمنى لصديقه الحرية بأن يعيش في باريس يقرأ ويترجم ويحقق ذاته. بينما سعد كان جباناً عاش حاسداً صديقه الشجاع، حانقاً لأن هذا الصديق لم يصغِ إليه ويعود للموت في البلاد العربية، حتى قال له بحسد، عندما رآه مستقراً وهانئاً في أوروبا 1994 : ” لم يفهم الطبخة أحد غيرك، فأنقذت نفسك”. وأنا مع إبراهيم بالطبع. المعلم الكافكاوي الحر والمثقف الأصيل الذي لم أعرف عن حياته كل هذا الكم من التفاصيل التي عرفتها عن سعد، و رغم ذلك حياته هي المثال الذي أتطّلع إليه، وأتوق إلى امتلاك بعض شجاعته والتزامه. حياة سعد تلك هي الماضي الذي تثير العاطفة قراءته، وأما حياة إبراهيم فهي الحاضر والمستقبل الذي يستفز العاطفة والعقل معاً لمحاولة تحقيقه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس.كوم.. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: