مقتطفات من رسائل سعد الله ونوس إلى ابن عمته وصديق عمره إبراهيم وطفي، من 1957 إلى أوائل التسعينات (بتصرف):
" أصبحتُ في الحياة، بعد ذهابك أنت ثم لور، مجرد مجموعة كتل لحمية تتقاذفها أنواء الحقد، والفظاظة، والتشاؤم، والألم، ومركّبات النقص، وبلايين العقد النفسية!
أهلي يكرهونني، ويحقدون عليّ لمجرد أنني أحمل مباديء حياتية.. مباديء إنسانية هي أنا، وأنا هي..
إنني لا شيء في مجتمع ساقط كهذا. إنني ضائع. إنني تائه. يكرهونني، أكرههم. يمقتونني، أمقتهم. إنهم ليسوا شيئاً بالنسبة لي، ولستُ شيئاً بالنسبة لهم.. أعيشُ في بوتقة وعيي وذاتي.
إنني من مرئيات الحياة الجامدة، ولذا فقد قررت.. سأهرب.. سأتركهم سادرين في ضلالهم. سأنطلق. سأتحرر. سأعيش إنساناً مترحلاً إذ لابد من رحلة تستغرق العمر كله، كما يقول حيدر، نعم واقعياً لابد من رحلة تستغرق العمر كله".
" ألا تؤمن معي أن صدمتي العاطفية سلبتني كلمة إنسان أنا الذي أهزأ من كل عاطفة ومن كل حب لاهب.. ومن كل تضحية غرامية، ولكن مع ذلك للأسف ما زلتُ أرسف بقيود البهيمية!".
"إنني أموت موتاً بطيئاً. إنني أحترق. لأنني ما خُلقتُ لأعيش في الحصين. ما خُلقتُ لأعيش بين هذه الجماعة القذرة التي تشكّل سكان القرية".
" القلق حقيقة ثابتة في حياتي. والاضطراب النفسي العميق شيء واقعي في وجودي".
" لا حب ولا ما يحزنون. لا قراءة جيدة. لا كتابة. لا جنس. وبذا تستطيع أن تقدّر نسبة موتي الحياتي.
الحياة الجنسية تقضّ مضجعي وتحيل حياتي عاتمة! الإفلاس يمنعني من القراءة. اليأس يقعدني عن التفتيش عن مغامرة شيقة. أفكاري السياسية العربية المتحررة وأفكاري الاجتماعية الثائرة الملحدة ما زالت تدمدم في أعماقي...".
"الجنس وما أدراك ما الجنس؟ كل مشاكلك تهون، وكل متاعبك تذوب لو استطعت تأمين النهود والسيقان والشفاه، والجسد اللاهب الذي يصهر برودتك ومتاعبك. تعرّف على الأحضان التي تقلب أوضاعاً بكاملها، وتغير معالم برمّتها. تؤثر وتعبث وتهدم وترفع.
أمسكتُ أخيراً بتلابيب الحقيقة الكبيرة التي كنت تفتش عنها؛ الجنس نصف.. بل ثلاثة أرباع.. بل كل الحياة. يا إبراهيم؛ روح إيه وشكل إيه! في الجنس كما أعرف يُحذف التعقيد.. تعقيد الشخصيات، وتعقيد النفوس، وتعقيد الطبائع والشروط التي تطلبها أرواحنا باستمرار...".
"القراءة ما زالت حالة مرضية، وستبقى حالة مرضية كالكتابة. لأنني بلا قراءة وبلا كتابة إنسان يعشش فيه العدم، تماماً كإبراهيم".
"سألني الطبيب: ما رأيك في المستقبل؟
قلت وبصوت كبير وكأنني أهتف من أعمق أعماقي: أنا لا أرضى أن أكون إنساناً عادياً. ولو تأكدت أنني سأعيش حياتي مغموراً لما تورّعتُ عن ارتكاب أكبر حماقة وأكبر قذارة في وجودي؛ الانتحار.
.... سأشتهر، وسأصل أعلى السلم، لأنني أريد ذلك، ولأنني إنسان. والإنسان أقوى قوى الأرض".
"إنني كمحمود أكبر مقامري القرية. إنني كالذين نقرأ عنهم قصص جوركي. إنني شبح أصفر في إحدى علب الليل. شيء محترم!
الفراغ.. الروشتة القذرة التي تمزق أعصابي لحظة بعد لحظة. التي تُشعرني بالغربة. إنني غريب عن نفسي".
"تستطيع أن تقامر بكل شيء إلا بوجودك لأنه واجب وأمانة".
"لماذا لا أُبدع؟ ألستُ إنساناً؟".
"أنا أحرق نفسي على طريقتي، بتدخين 40/30 سيجارة يومياً، خوفاً من أن يحرقوها على طريقتهم هم، وأخسر بذلك آخر فرصة لي بارتشاف بعض الحرية ولو كانت مريرة وآسنة".
"كانت حياتنا عبارة عن ضحكة كبيرة متواصلة ولامبالاة لطيفة جد لذيذة.."
" كل شيء في لحظاتي اجترار ماضٍ. وكل شيء في ذاكرتي دوران محوري. وكل شيء في نفسي أحاسيس وانفعالات سعيدة تقترن بلحظات معينة في الماضي. سأعود إلى القرية. إنها الجنة ولا شك".
"الحب لدي مهما تباينت صوره يقترن بالدفء".
" إنني فعلاً أعيش في نفسي، وأنا مهتم بشيء واحد هو اكتشاف نفسي وخدمتها. ولكني إلى جانب كل هذا أؤمن بالناس. أؤمن بقدسية العلاقة بيني وبينهم. أؤمن بأنني أولاً وأخيراً لستُ إلا ضرورتهم، ولستُ إلا وجوداً حياً متشابكاً بوجودهم، متفاعلاً به إلى أبعد الحدود".
"هل تذكّرت المستحيل الذي كان كاليغولا مجنوناً به؟ هكذا نحن. إننا حفنة من الباحثين عن المستحيل، وهو بحث شريف وحار ويستحق كل الاحترام ولكن.. لنكن شجعاناً بما فيه الكفاية لنقول إن النتيجة الوحيدة التي ستقبضها أنفسنا هي الفشل. هي ضياع الحياة ضياعاً لا تعويض له".
"إن حياتي حركة. استمرار. حيوية. حبال طويلة من الانفعالات.. من الأفكار. وفي اللحظة التي أكتب فيها عن حياتي تموت حياتي".
"إنني أعيش، وإنها أبلغ كلمة لديّ".
" قدر الحمار سيء، وقدر الإنسان أسوأ. والفارق كلمة واحدة تميز الإنسان عن الحمار هي عدم الاستسلام".
"أنا مثلك لا أؤمن بالحكم المحفوظة والأمثال الارتجالية، ولكن عبارة همنجواي أكثر من حكمة محفوظة وأكبر من مثل ارتجالي. إنها بنزين الرحلة الطويلة. إنها شرفنا، وشارة امتيازنا". (إن الإنسان قد يدمّر ولكن لا يُهزم).
" أنت الآن في عالم جديد على عتبة تغيير فذ، وأنا كالفأر أجاهد ضد حالة ألقاني فيها اشتياق شاذ للانتحار".
"الجنس في جوهره يأس وتلاش.
الجنس، بمعزل عن كل الغرائز، ليس عملية بيولوجية أبداً، لأنه يضم في كيفيته كل الحيز الدرامي من الحياة الإنسانية. إنه الملكية، والخوف، والحزن، والتوق الباطني لفرح الحياة. إنه يأس الدراما البشرية. يأس التصادم بين شهوة الأخذ وفجوة اللاشيئية. ولذلك عبثاً يحاول المرء إشباع رغابه. فعلى ظهر كل موجة من أمواج رغابه تتقافز موجة أخرى، ويظل المنبع يفوّر أمواجه حتى ينتهي الإنسان، ويحشرج قانطاً، هامساً: لم أحقق شيئاً يستحق حياتي. لم أنل تعويضاً يستحق عذاباتي".
"الإنسان يلجأ إلى الذهن حين يعجز الجسد عن (امتلاك العالم)، أو عن عقد ارتباط وثيق معه.
الجنس ياصديقي يفتحني ولكن على حسابي. جسدي خار، ولا فائدة. كالطفل ليس ما يشبع فضوله، وليتني أعلم عمّ أبحث".
"إن محدودية جسدي تشكّل أبشع عائق أمام لا نهائية روحي".
"اليأس ليس شيئاً مخيفاً كما نظن دائماً، لأنه مظهر أساسي للوجود الإنساني".
"حياتك تثير شهيتي. إنك محظوظ. ذلك خير ما يمكن قوله".
"العالم ثقل يسحقني، وبدلاً من أن أتوجه إلى الخارج فإنني أبداً حبيس جدراني الصماء.
أنا عقيم وعاجز عن إنجاز شيء. العطب في داخلي، أما العالم فإنه أضخم وأهول من أن يكون معطوباً أولا شيئاً".
"أنت تبحث عن أرض، وأنا أبحث عن جذر يصلني بهذه الأرض".
"إنني لا أبحث عن الجدوى، فقد فقدتُ الأمل. ولكن أبحث أيضاً عن الطمأنينة، والكتابة هي اليقين الوحيد الممكن".
"إنني موقن أن طريقي الأول حيث لا تفكير مطلقاً بالغد هو أكثر انسجاماً مع كليّتي، وأكثر قرباً من الفرح".
"يقول فوكنر: الشراهة هي التي بنت الحضارات. ويخيل إلى أن الشراهة هي التي تهدمني وستهدمني".
"ما أريد أن أفعله هو بالضبط أن يوضع الإنسان كله في سؤال. كما تكون الإجابة يكون الإنسان!".
"أخيراً تعايشت مع فكرة أننا نعمل لأجيال قادمة، ولأزمان بعيدة، وأننا لن نذوق فرحاً حقيقياً طوال ما بقي من العمر. ومنذ استقرت هذه القناعة في ذهني، هدأتُ قليلاً وبدأتُ أعمل".
أضف تعليق