- كل من يحب يفكر وهو يستمع للموسيقى: “إنها تتحدث عني، تتحدث عوضاً عني، إنها تعرف كل شيء!”.
- فقط في الليل وفي الجو شبه المظلم في الغابات المعتمة والكهوف، استطاعت الأذن، عضو الخوف، أن تتطور كثيراً بالقدر الذي تطورت به بفضل طريقة عيش الإنسان في عصر الخوف، أي أطول عصر عاشته الإنسانية: أثناء النهار لا نحتاج الأذن كثيراً، هذا هو ما يجعل من الموسيقى فن الليل والظلمة.
- حين ينحط خيال شعب ما يميل إلى تشخيص أساطيره على خشبة المسرح.
- المتعصب للمثل الأعلى الذي من لحم ودم يكون في الغالب على صواب حين يجحد، ويكون مرعباً في جحوده؛ فهو يعرف ما يجحده مثلما يعرف نفسه، لأنه أتى منه، وهو هو عينه، ولأنه يخشى في قرارة نفسه أن يُرغم على العودة إليه، يريد بطريقته في الجحود أن يجعل رجوعه إليه مستحيلاً…
- أول ما يجب أن نعالج به الكآبة وتعاسة الروح هو تغيير النظام الغذائي وممارسة عمل بدني شاق. ولكن ما يلجأ إليه الناس في مثل هاته الحالات هو ما يجعلهم ينتشون: كالفن مثلاً.. مسيئين لأنفسهم وللفن! ألا ترون أنكم حين تلجؤون للفن وأنتم مرضى، تجعلون الفن مريضاً؟
- ماذا علينا أن نفعل لتنشيط أنفسنا حين يصيبنا التعب ونملّ أنفسنا؟ أفضل ما هنالك، يا عزيزي السوداوي، هو أن ننام كثيراً، بالمعنى الحقيقي والمجازي للكلمة! بذلك سنتمكن في نهاية المطاف من ملاقاة صبحنا. إتقان فن الحياة هو أن نعرف كيف ندرج النوم بمختلف أشكاله في حياتنا في الوقت المناسب.
- حيوانات أليفة في البيوت: إنه لشيء مقزز هاته العواطف التي يبديها الناس تجاه النباتات والحيوانات، وهم الذين عملوا على إتلافها والقضاء عليها منذ البداية كما لو كانت عدواً لدوداً، ثم بعد ذلك يريدون من ضحاياهم المنهكة والمحطمة تلك أن تبدي لهم مشاعر لطيفة!
- إنسانية: لا نعتبر الحيوانات كائنات أخلاقية، فهل تعتقدون أن الحيوانات تعتبرنا كائنات أخلاقية؟ قال حيوان ناطق: “الإنسانية حكم مسبق لا نعاني منه نحن الحيوانات على الأقل”.
- مشؤؤوم: نفسد ولا شك الشاب الذي نعلمه أن يقدّر عالياً ذاك الذي يفكر مثله أكثر من الذي يفكر بطريقة مخالفة.
- مدمروا العالم: هذا إنسان عجز عن إتمام شيء ما فجعل يصرخ وهو يستدير: ليفن العالم! .. هذا الإحساس القبيح هو أوج الغيرة التي تريد استنتاج ما يلي: إن لم أستطع الحصول على شيء واحد فلن يحصل العالم كله على شيء! لا يجب للعالم أن يوجد!
- الخوف والحب: تقدمت معرفتنا العامة للناس بفعل الخوف أكثر مما هي بفعل الحب، لأن الخوف يقتضي أن نخمن من يكون الآخر، وما يعرفه، وماذا يريد: إذا أخطأنا قد نجعل أنفسنا في خطر أو نلحق بها ضرراً. أما الحب فيميل لأن يرى في الآخر أجمل الأشياء، وإلى السمو به قدر ما يستطيع، فإذا أخطأ سيشعر بالسرور ويرى في ذلك امتيازاً، لذلك يخطئ عن قصد.
- في تفجر الغضب وفي الهذيان أثناء الحلم والجنون يتعرف الإنسان على تاريخه البدائي وتاريخ الإنسانية: الحيوانية وتكشيراتها المتوحشة، آنذاك تعود به الذاكرة بعيداً إلى الوراء، وفي مقابل ذلك تطور تحضره بفضل نسيانه لتلك التجارب الأصلية، أي بفضل تكاسل هذه الذاكرة.
- في كل مرة نحضر فيها وفاة شخص ما تراودنا فكرة كوننا نختنق من جراء إحساس زائف باللياقة: نشعر بأن فعل الوفاة أقل أهمية مما يدعيه الإجلال التقليدي الذي تحظى به، وبأن المحتضر ربما فقد في حياته أشياء أهم مما سيفقده بعد قليل. ليست النهاية هنا هي الهدف.
- اختيار المحيط: لنحترس من العيش في محيط لا يمكننا فيه أن نصمت كما ينبغي ولا أن نعبر عن أفكارنا السامية، بحيث لا يبقى لنا ما نتحدث عنه سوى شكاوانا وحاجياتنا وحكاية تعاساتنا.
- لا نجد علاجاً فعالاً ضد الحب، في أغلب الحالات، مثل ذلك العلاج القديم الفعال: مبادلته الحب.
- ما أحسن أن نستطيع التحدث إلى الناس ونحن مجهولون! تسلبنا الآلهة “نصف فضائلنا” حين تحرمنا من جهل الناس بنا وتجعلنا مشهورين.
- كم نكون سعداء حين نأكل، كالعصافير، من يد إنسان واحد يرمي لها الحبوب دون أن ينظر إليها عن كثب، دون أن يعرف ما إن كانت تستحق ذلك! أن أعيش كعصفور يأتي ثم يحلق وهو لا يحمل في منقاره أي اسم! تلك سعادتي أن آكل حتى الشبع في مأدبة الحشد الغفير.
- آفاق بعيدة: أعتقد أنني حين أكون وحيداً أرى أصدقائي بشكل أفضل. أراهم في جو ملائم خلافاً لما أراهم عليه حين أكون قريباً منهم. ويوم كنت أحب الموسيقى، حين كان لي إحساس دقيق بها، كنت أحيا بعيداً عنها. يبدو أنني أحتاج لآفاق بعيدة لكي أظن بالأشياء خيراً.
- أرى في تمجيد العمل وفي الخطب الطويلة حول “نعمة العمل”، نفس الفكرة المبطنة التي أراها في الثناء على أعمال المنفعة العامة: الخوف من كل ما هو فردي. العمل يستنزف الطاقة العصبية بشكل كبير، ويحول بينها وبين التفكير والتأمل والحلم والانشغالات والحب والكراهية.
- تعلم الوحدة. أيها الصعاليك المعذبين بالغرور، أتعتقدون أن واجبكم هو أن تعبروا عن رأيكم في كل الأحداث “لأن هناك دائماً حدث ما”؟ تعتقدون أنكم حين تثيرون هذا الغبار والضجيج فإنكم أنتم من يقود التاريخ! .. يسوقكم حدث اليوم أمامه كما تذهب الريح بالقش الخفيف، وأنتم تتوهمون أنكم تسوقون الحدث. أيها المساكين، من يريد أن يكون بطلاً على خشبة المسرح لا يجب عليه التفكير في لعب دور الجوقة، بل لا يجب أن يعرف حتى كيف يعبر عن رأيه جماعة مع الآخرين.
- لا تُخدع الشعوب إلا لأنها تبحث دائماً عمن يخدعها، أي عن خمر تهيج حواسها، وإذا حصلن على تلك الخمر فإنها ستكتفي بالخبز الردئ. النشوة أهم لديها من الغذاء، إنها الطعم الذي تبتلعه في كل مرة.
- الذي يعاني بشدة، متقوقعاً في معاناته نوعاً ما، يلقي نظرة باردة على الخارج، على الأشياء، فيختفي بالنسبة إليه كل ذلك السحر الكاذب الذي تتحرك فيه الأشياء عموماًَ، حين يتوقف عنده نظر الإنسان: يرى نفسه مستلقياً أمام نفسه، عارياً من كل بريق أو زخرفة.
- الجنون هو الذي مهد الطريق للفكرة الجديدة في كل مكان تقريبا، وتخلص من العادة، ومن الخرافة المبجلة.
- القسوة هي أحد أقدم الأشياء التي تدخل السرور على الإنسانية، ولذلك نعتقد أن الآلهة نفسها تتسلى وتفرح بمشاهد القسوة، وتترسخ فكرة المعاناة الطوعية والعذاب الاختياري وقيمتهما العليا، فيحترس الناس منذ ذلك الحين من كل رفاهية وافرةة ويستعيدون الثقة بالنفس كلما خاضوا معاناة كبيرة؛ يقولون لأنفسهم بأن الآلهة قد تعاكسهم إذا كانوا سعداء وقد تحالفهم إذا كانوا تعساء.
- الأخلاقية تعارض نشوء عادات جديدة تكون أفضل من سابقتها، إنها تبلّد الناس.
- كل الذين غيروا القانون الأخلاقي القائم كانوا يعتبرون أشراراً، ولكن حين لا يتمكن الناس من إعادة فرض ذلك القانون، ويعتادون التغيير بالتدريج، فإن تلك الصفة تتغير أيضاً. يروي لنا التاريخ قصص أولئك الأشرار الذي أصبح الناس فيما بعد ينادونهم “الطيبين”.
من كتاب “الفجر”، ترجمة محمد الناجي.
أضف تعليق