باسترناك عن انتحار الأصدقاء

لم تكن لدينا أدنى فكرة عن ألم نفسي عشية الانتحار. تحت وطأة التعذيب الجسدي، فوق المعلاق، يفقد المرء وعيه في كل لحظة، وتشتد آلام التعذيب كثيراً، بحيث تعجل هي ذاتها النهاية بعدم احتمالها. ولكن الإنسان الذي يتعرض إلى العنف على يد الجلاد لم يُدمر بعد. وحين يفقد وعيه من الألم المبرح يشاهد نهايته، وينتمي إليه ماضيه، وتبقى لديه ذكرياته، ويستطيع استخدامها لو يشاء، ويمكنها أن تساعده أمام الموت. وعندما يتعلق الأمر بالتفكير في الانتحار؛ نضع علامة الصليب على أنفسنا، ونبتعد عن الماضي، ونشهر إفلاسنا، وتغدو ذكرياتنا باطلة. هذه الذكريات لا تعود قادرة على الوصول إلى الإنسان، ولا على إنقاذه أو إسناده. إن استمرار الوجود الداخلي قد انكسر، وانتهت الشخصية. قد لا ينتحر المرء إخلاصاً للقرار الذي اتخذه، ولكن لأنه لم يعد يطيق ذلك القلق الذي لا يُعرف لمن يعود، وهذا العذاب من غياب الكائن المتألم، وهذا الانتظار الفارغ الذي لا يملأ حياة مستمرة.

يبدو لي أن مايكوفسكي أطلق رصاصة على حياته بسبب الكبرياء؛ لأنه أدان شيئاً ما داخله أو حوله، لم يستطع أن يتوافق مع عزة نفسه. وأن يسينين شنق نفسه دون أن يفكر في العواقب، معتقداً في قرارة نفسه: من يدري، ربما ليست بعد هذه النهاية، ولعل هذا الأمر مرتاب فيه، ومن يعش يرَ والأيام مقبلة. وأن مارينا تسفيتاييفا كانت طوال حياتها تحتمي من التفاهة اليومية بالعمل، وعندما كان يبدو لها هذا ترفاً غير مقبول، وأن عليها من أجل ابنها أن تضحي مؤقتاً بالولع الجذاب وأن تلقي حولها نظرة واعية، كانت ترى الفوضى، التي كان يرفضها إبداعها، جامدة وغير عادية وراكدة، فتحيد عن الرعب، ودون أن تعرف أين تتوارى من الذعر اختفت بمنتهى السرعة في الموت، وأدخلت رأسها في عقدة حبل*، تماماً كما تحت مخدة. يبدو لي أن باولو ياشفيلي لم يفهم شيئاً عندما كان مأخوذاً بسحر شيجاليفية عام 1937، نظر ذات ليلة إلى ابنته النائمة، فتصور أنه ما عاد جديراً بالنظر إليها، وفي الصباح ذهب إلى رفاق له، وفجر جمجمته برش من ماسورتي بندقية. ويبدو لي أن فاديييف، بتلك الابتسامة الآثمة التي نجح في الحفاظ عليها، عبر كل المناورات الماكرة للسياسة، استطاع في اللحظة الأخيرة، قبل الضغط بالضبط على الزناد، أن يودع نفسه بكلمات من قبيل: ” وإذن! هاهو ذا قد انتهى كل شيء، وداعاً، ساشا”.

غير أنهم جميعاً تألموا بطريقة فائقة الوصف، تألموا إلى تلك الدرجة التي يتحول فيها الشعور بالقلق إلى مرض نفساني. فلنطأطئ رؤوسنا أمام معاناتهم فضلاً عن موهبتهم وذكرهم الطيب.

*كان باسترناك قد أهداها هذا الحبل عندما ودعها في محطة القطار المغادر من موسكو إلى تترستان، لتربط به حقيبتها.

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑