عن كافكا في ذكرى رحيله…

قبل سبع سنوات من اليوم عرفتُ فرانز كافكا. حدث ذلك في وقت كنتُ أعاني فيه الافتقار للكتب مع نهم متضاعف للقراءة، وأنا أعيش في بلد متخمة بالمطاعم، قاحلة من المكتبات، مما اضطرني (في ذلك الصيف فقط) إلى تجربة القراءة الإلكترونية البغيضة. ابتدأتُ بباتريك زوسكند.. مررتُ بهنري شاريير، يوكيو ميشيما، هاروكي موراكامي.. وهذا الأخير قادني إلى كافكا. أتذكر أنني اخترتُ العطر بسبب شهرتها وكذلك كافكا على الشاطئ، الفراشة لأنني وجدتها مسجلة في أحد قوائمي القديمة.. ميشيما الذي أصبح هو الآخر صديقاً مقرباً اخترتُه لأن عنوان “البحار الذي الذي لفظه البحر” جذبني. هاروكي هو الوحيد، من بينهم، الذي لم يصبح صديقي، ولا أعلم لماذا.. لكني لا أنساه أبداً فهو سبب معرفتي بفرانز.

عندما قرأتُ في الهامش، ولاحقاً في قوقل، التعريف بالأديب الألماني الكبير، تساءلت: كيف لم أعرفه من قبل؟ .. أسماء الكثير من الأدباء والفلاسفة كنت أعرفها منذ الصغر دون أن أرى أياً من مؤلفاتهم على رفوف المكتبات الغبية هنا، ولا حتى في الصحف والمجلات التي كنت أطالعها باستمرار وتخصص بعض صفحاتها للكتب.. لم أعرفه من خلالها. استفزني جهلي بشدة، وإن كنتُ غفلتُ عنه وقتها لانشغالي بكافكا.. أحببتهُ أولاً من حبي للرواية التي استخدمت اسمه، ثم من المسخ.. قرأتها إلكترونياً بترجمة منير بعلبكي، وكتبتُ عن ذلك، كما عن كافكا طيلة السنوات الماضية، في دفتري الأزرق الصغيرودفاتر اليوميات الأخرى، في مدونتي السرية، وعلى صفحات يوميّاته هو. معه دائماً أقرأ وأتأمل وأبكي وأكتب.

أول ما شعرت به تجاهه هو أنه انسان مختلف عن كل من قرأتُ لهم من قبل. إنه ليس كاتباً، لا أظنني فكرتُ فيه ولو لمرة ككاتب، لأنني لم أشعر بأنه كاتب بقدر احساسي بأنه مثلي عندما أكتب؛ مجرد انسان يحيا بالكتابة عن نفسه ومشاعره وما يمرّ به. إنه مثلي في أشياء أخرى عرفتُها من اقتباساته، وتأكدتُ منها لاحقاً مع اليوميات. فرانز وصف أفكار وحالات لطالما عشتها لكني جهلتُ كيف أختصرها في كلمات. إنه غريب، محير، لكن صادق. وغريغور بالذات ليس شخصية خيالية؛ بل انسان حقيقي عاش وسُحق ولم يأبه له أحد. وهذا الكاتب حقيقي أكثر من كل من قرأت لهم سابقاً. إنني أتذكر حتى صور الاقتباسات الأولى التي قرأتها له، وأتذكر صورة لمؤلفاته المترجمة للعربية (ترجمات وطفي+اليوميات)، وكيف أنني احتفظتُ بها لأستمر في الحلم بالحصول عليها. لم أفكر في أنها قد لا تعجبني، بالرغم من أنني كنت قد أصبحت حذرة ولم أعد أشتري أي كتاب كما في السابق. ولقد تحقق حلمي بعد فترة.. كلّفني الكثير بالنسبة إلى فتاة عاطلة تصرف على نفسها من عمل متقطّع. إحدى الفتيات بعدما قرأت كافكا “التحول” بسببي، قالت لي: “إنه عميق جداً، لم أقرأ مثله من قبل، ولا أشعر بأني مستعدة حالياً لقراءة المزيد منه”. أنا كنتُ مستعدة لكل شيء منه. لأستغرق فيه، بالرغم من أن رسالته إلى الوالد وحدها أثقلتني أكثر من أي كتاب آخر قرأته، إلا أنني واصلتُ الاستغراق فيه.

شغفي الكافكاوي غيّر حياتي عندما تعرفتُ، بسبب كافكا، إلى فتاة كافكاوية في تويتر، في فترة لم أكن أهتم فيها بتويتر أصلاً. تابعتها لأنها قارئة له، ومن ثم تابعتني وحدثت بسبب المحادثات القليلة معها قبل اختفائها أمور مؤثرة في حياتي الداخلية. كنت أتمنى لو تبقى صديقتي إلى الأبد، وبعدما رحلت فقدتُ الأمل في العثور على مثلها. بسبب كافكا أيضاً عرفتُ أهم شخصية صادفتها في عالم النت، هو الآخر قارئ كافكاوي أصبح له من التأثير عليّ ما يفوق تأثير نصف الكتب التي قرأتها. مع هذين، الفتاة والشاب،أصبحت مقتنعة بأن من يحب كافكا حقاً لا بد وأن يكون نادراً مثله. وبالطبع عرفت مع كافكا من لولاهُ لما استطعتُ الوصول إلى كافكا نفسه؛ المترجم إبراهيم وطفي. والذي لا أتوقف عن الشعور بالامتنان لوجوده، لشغفه، ولحظّي الجميل عندما أراسله لأبلغه ببعض ما يجري فيّ من التأثيرات ويجيبني.

إن جهلي بمعرفة كافكا، ثم صعوبة العثور على كتبه، وكذلك على قراء يشاركونني ذات الشغف، كانت دوافعي للإصرار على انشاء مبادرة متواضعة لتبادل الكتب واستعارتها، لعلني أجد فيها ما أشتهيه، ثم كبرت لتصبح مكتبة مختلفة احترتُ في اختيار اسم لها.. احترتُ كثيراً، بسبب القيود المتخلفة من وزارة التجارة على الأسماء التجارية، حتى أنني اعتمدتُ اسماً غير ملائم، غيرته بعد أشهر لما خطر في بالي “كافـ كا”.. ولأن كافكا ليس كاتبي الأول رغم ذلك، كنت في البداية لا أشعر بعميق ارتباط بالاسم.. علاقتي به، كما بكل شيء آخر، متذبذبة. أيام أجده يشغلني طوال الوقت وتنتابني تجاهه مشاعر عميقة غريبة، مرة لشدة إحساسي بالشفقة والحنان تجاه شعرتُ بأني أمّه. مرة جلستُ لأيام، وحتى الآن، حاقدة على هرمان وعلى ماكس.. وحاسدة لرفيقة الأيام الأخيرة دورا ديامنت مع حقد مضاعف على الأغنياء الذين عاشوا وماتوا مرفهين بينما كانت حياته هو عوز وجوع وألم. وأيام يأخذني عنه آخرون.

عرفتُ فرانز كافكا في وقت كنتُ منهمكة فيه لأقصى حد بتجارب حياتية مجنونة، جعلتني أبعد ما أكون عن روحي. واحتجتُ للكثير، ولا زلتُ، لأبلغ جوهرها. اليوم بعد هذه السنوات مع هذا الكاتب الحقيقي، وآخرون ممن لا يقلون تأثيراً عنه، أعتقد أني لولاه ما كنتُ لأكون أنا الحالية، وما كنتُ لأكون هنا، وأكتب هذا، الذي هو لا شيء في الحقيقة مقارنة بما أكتبه له مباشرة، وما لا أكتبه.

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑